خليل الصفدي
128
أعيان العصر وأعوان النصر
الدين : ما يزال عندي كتب بألف دينار ، وأحضر سوق الكتب دائما ، ولا بد أن يتجدد لي علم باسم كتاب ما سمعت به انتهى . ولم يتزوج قط ، وكانت له أوراد من العبادة ، وكان يسعى في حوائج الناس ويقضيها ، وأخبرني القاضي الرئيس عماد الدين بن القيسراني ، أنه لم يكن يأكل العنب قال : لأنه كان يحبه ، فآثر أن يكون نصيبه في الجنة . وأخبرني الحافظ بن سيد الناس قال : زكّى بعض الفقهاء تزكية عند بعض القضاة ما زكّاها أحد قط ؛ لأنه أمسك بيد الذي زكّاه ، وقال للقاضي : يا مولاي ، الناس ما يقولون : ما يرمن على الذهب والفضة إلا حمار ، قال : نعم ، وهذا حمار ، وانصرف ، فحكم القاضي بعدالة ذلك الفقيه . وأخبرني أيضا أن الأمير علم الدين الشجاعي - لما فرغت المدرسة المنصورية بين القصرين في أيام السلطان الملك المنصور قلاوون - ، طلبه الأمير المذكور ، فتوجّه إليه ، وعمامته صغيرة بكراثة - على مصطلح أهل حلب - فلما جلس عنده ، ولم يكن رآه ، أخذ الأمير يتحدّث بالتركي مع بعض مماليكه ، فقال : يا أمير ، المملوك يعرف بالتركي ، فأعجب الأمير هذه الحركة منه ، وقال له : السلطان قد فوّض إليك تدريس التفسير بالقبة المنصورية ، ونهار غد يحضر السلطان والأمراء والقضاة والناس ، فغدا تحضر ، وتكبر عمامتك هذه قليلا فانصرف ، ولما كان من الغد رآه الأمير علم الدين من بعيد ، وهو جائز إلى المدرسة بتلك العمامة ، فجهز إليه يقول له : ما قلت لك تكبر عمامتك قليلا ، فقال : يا مولانا ، تعملوني مسخرة ، وأراد أن يرجع ، فقال الأمير علم الدين : دعوه يدخل ، فلما جلس مع الناس نظر الملك المنصور إلى الذين هناك ، فقال : هذا ما هو الشيخ بهاء الدين بن النحاس ، قالوا : نعم ، فقال : هذا أعرفه لما كنت ساكن في المدينة ، والناس يقرءون عليه ، وشكر الشجاعي على إحضاره ، قال الشيخ فتح الدين : فلم يعرف السلطان غيره ، ولا أثنى إلا عليه . وأخبرني عنه غير واحد ، أنه لم يزل عنده في بيته من أصحابه ، ومن الطلبة من يأكل على مائدته ، لا يدّخر شيئا ، ولا يخبئه عنهم ، وهنا أناس يلعبون الشطرنج ، وهنا أناس يطالعون ، وكل واحد في شأنه لا ينكر على أحد شيئا ، ولم تزل أخلاقه مرتاضة ، حتى يكون وقت الاشتغال يتنكّر ، وكان لا يتكلم في حل النحو للطلبة ، إلا بلغة العوام لا يراعي الإعراب . وأخبرني الإمام أثير الدين ، وعليه قرأ بالديار المصرية قال : كان الشيخ بهاء الدين ، والشيخ محيي الدين محمد بن عبد العزيز المازوني المقيم بالإسكندرية شيخي الديار